عبد الوهاب الشعراني

190

الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )

وقد بادر إبراهيم عليه السلام حين أمر بالختان إلى الفأس فأختتن بها فقيل له هلا صبرت حتى تجد الموسى فقال عليه السلام تأخير أمر اللّه عظيم وكان يقول لا أستريح إذا لم أر للّه ذاكرا على وجه الأرض قال بعضهم مراده لا أستريح إلا إن دخلت حضرة الشهود لأنه لا ذكر فيها فإن الذكر إنما يكون مع الحجاب لأنه دليل فإذا شهد المدلول سقط الوقوف عن الدليل بل عن شهود الدليل ومروره على الخاطر . وقيل له لم سميت الصوفية بهذا الاسم فقال لقبقبية بقيت عليهم ولولا ذلك لما تعلقت بهم تسمية ، وكان يقول : من أطلع على ذره من التوحيد ضعف عن حمل نبقة لثقل ما حمل ، وكان رضي اللّه عنه يقول من طلبه به تعالى صح توحيده ومن طلبه بنفسه لم يصح له توحيد ، وكان أبو بكر الدينوري خادم الشبلي يقول : سمعت الشبلي يقول قبل موته : على درهم واحد مظلمة ظلمته أيام ولايتي وقد تصدقت عن صاحبه بألوف وما على قلبي أعظم منه وسئل مرة عن المعرفة فقال أولها اللّه وآخرها ما لا نهاية له . وكان رضي اللّه عنه يقول العارف لا يكون لغيره لاحظا ولا لكلام غيره لافظا ولا يرى لنفسه غير اللّه حافظا ، وكان يقول المحب إذا لم يتكلم هلك والعارف إذا تكلم هلك وكان غيره ، يقول العراف إذا تكلم أهلك غيره وإذا سكت أعلم نفسه فنجاة نفسه أولى وصلى مرة خلف إمام فقرأ وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ « 1 » فزعق زعقة كادت بروحه تخرج ، وقال هذا خطابه لأحبابه فكيف خطابه لأمثالنا ولاموه في قلة النوم فقال : سمعت الحق يقول لي « 2 » من نام غفل ومن غفل حجب وكان هذا سبب اكتحالى بالملح حتى لا أنام . وقال للحصرى في بداية أمره إن خطر ببالك من الجمعة إلى الجمعة الثانية غير اللّه تعالى فحرام عليك أن تحضرني ، وكان يقول في بيت اللّه الحرام آثار خليله عليه السلام وفي القلب آثار اللّه عز وجلّ وللبيت أركان وللقلب أركان فأركان البيت من الصخر وأركان القلب من معادن أنوار معرفته .

--> ( 1 ) سورة الإسراء : آية 86 . ( 2 ) قد يكون ذلك مناما لان اللّه سبحانه وتعالى لا يكلم بشرا إلا بوحي أو من وراء حجاب قال سبحانه جل وعز [ ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ] [ سورة الشورى : الآية 51 ]